مداخلة السيد العمراني خلال افتتاح اللقاء المتوسطي السنوي حول الإعلام٬والمنظم من طرف كل من النقابة الوطنية للصحافة المغربية و الفيدرالية الدولية للصحافيين في طنجة - Youssef AmraniYoussef Amrani

مداخلة السيد العمراني خلال افتتاح اللقاء المتوسطي السنوي حول الإعلام٬والمنظم من طرف كل من النقابة الوطنية للصحافة المغربية و الفيدرالية الدولية للصحافيين في طنجة

أود أن أعرب عن خالص شكري للنقابة الوطنية للصحافة المغربية، التي أعطتني  الفرصة لطرح رؤية المغرب، بشأن تطور ومستقبل البحر الأبيض المتوسط.

إنه لمن دواعي سروري،  أن أعبر اليوم من  مدينة طنجة، مسقط رأسي، التي ترمز في  تنوعها وثرائها ، إلى كل سحر وعبقرية  الفضاء المتوسطي .

عبر مداخلتي هذه ، سأحاول تقديم تجربة بلد؛ المغرب، الذي  اختار اتباع مسار فريد و نموذجي يتماشى مع التحولات العميقة التي  تؤثر في  المنطقة،  وكذا  تقديم نظرة شاملة عن الواقع الجديد للبحر الأبيض المتوسط​​، ومركزيته في بناء مصير مشترك بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

السيدات والسادة،

إن المغرب تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، ملتزم بمواصلة إقلاعه الإصلاحي، و متعهد بتأمين تنميته، لتأكيد إرادته ومبادرته لتوطيد المكتسبات المنجزة خلال هذه السنوات الأخيرة.

 وفي هذا الصدد، يواصل المغرب بعزم وثبات، مسيرته نحو التقدم والحداثة التي سمحت له  بالارتقاء  بالطموحات وتوفير الوسائل اللازمة لتحقيقها و تسجيل  نتائج شاهدة تؤكد صحة الخيارات المحرزة.

تنوع مجالات الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية والإنسانية، خلقت دينامية حقيقية للتغيير الذي  يساهم في تعزيز البناء الديمقراطي للمملكة و إقامة تنمية اجتماعية والاقتصادية على أسس سليمة.

مسلسل  الإصلاحات هذا  يعبر عن إرادة  حاسمة، لاستكمال بناء دولة الحق و القانون، تحكمها مبادئ الحكامة الجيدة، وتضع المواطن في صلب السياسات العامة وإستراتيجية التنمية، من خلال مقاربة  تشاركية و متضامنة .

هذه الإصلاحات سمحت بتحقيق  جملة من المكتسبات الديمقراطية،  وسمحت لنا بتشكيل تصور متزن للمستقبل، من خلال إعمال جيل جديد من الإصلاحات السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، التي جاءت لتثري النتائج التي تم إحرازها خلال العقد الماضي.

أخذا بعين الاعتبار إكراهات الوقت، سآتي فقط على ذكر الإصلاحات الأساسية، التي تشهد بشكل صحيح، على المعالم الطموحة للعملية الشاملة للتحول السياسي في المملكة، بما في ذلك اعتماد دستور جديد في يوليو2011 .

اعتماد هذا القانون الأسمى، الذي يكرس نظاما دستوريا يقوم على الفصل بين السلطات، ويوضح  الخيار الذي لا رجعة فيه لبناء دولة  ديمقراطية قوية، تقوم على تعزيز مؤسسات معززة، قيمها الأساسية: الوحدة، والديمقراطية، والنمو الاقتصادي والتضامن والمساواة وحقوق الإنسان.

هذا الدستور يحمل نظاما جديدا للحكامة الجيدة، يعطي الأولوية لحقوق الإنسان وحماية الحريات الفردية  كما هي معترف عليها عالميا.

باعتماد هذا الدستوري، يكون المغرب قد  اتخذ  خيارا  لا رجعة فيه لبناء دولة ديمقراطية و عصرية، غنية في تنوعها الديموغرافي والثقافي، منفتحة  على محيطها الإقليمي والدولي وقادرة على مواجهة التحديات المقبلة.

السيدات والسادة،

قوي بهذه المكتسبات الديمقراطية التي تسمح له بأن يستوعب بكل ثقة وطموح، التحولات العميقة التي تواجه المنطقة، فإن المغرب يعتقد أن الاتحاد من أجل المتوسط ​​لديه كل  الأدوات  اللازمة لإقامة نظام إقليمي جديد، قادر على مجابهة التحديات الكثيرة التي تقف في طريق  تحقيق فضاء أورو- متوسطي أمثل.

تعلمون أن المنطقة الأورو- متوسطية تتطور في سياق إقليمي يتميز بدمج مجموعة عوامل تؤثر في استقرار وازدهار ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

في الواقع، إن إكراهات الظرفية الاقتصادية لدول شمال البحر الأبيض المتوسط​​، إلى جانب التغييرات الواسعة و التحولات السياسية المؤثرة في بلدان جنوب المتوسط​، دفعت كلها نحو عهد جديد، يحمل تحديات وفرصا يتعين على كل مواطن متوسطي أن يغتنمها من أجل بناء فضائنا، كقطب حقيقي للأمن والاستقرار والازدهار المشترك.

أنا مقتنع تماما أن فضاء الاتحاد من أجل المتوسط، ​​الذي هو فضاء لتبادل التجارب المتجددة بين الشمال والجنوب، لديه كامل الشرعية والقدرة على إعطاء معنى جيوسياسي للبحر الأبيض المتوسط، في سياق حيث الوضع الجغرافي الجديد للعالم  يشجع  على تشكيل تكتل جغرافي مندمج  في مناطق تنموية متباينة.

المغرب الذي كان دائما في الموعد للمساهمة في  بناء المشهد الاورو-متوسطي الكبير، لا يزال ملتزما بتعزيز الاتحاد من أجل المتوسط ​​على أساس آليات جديدة ورؤية إستراتيجية  مبتكرة تتطلع إلى إعادة تشكيل علاقات أكثر طموحا بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط​​، مع الأخذ بعير الاعتبار الواقع الجديد والتفاعلات التي تؤثر  في منطقة جنوب أوروبا، مثل  دعم  الصرح الديمقراطي للجنوب، انطلاق نمو شامل وتشاركي ومستدام، حيث  تبرز تهديدات أمنية وانفصالية مهددة  للسلم  والأمن في منطقة البحر الأبيض المتوسط​​.

في هذا الصدد، أعتقد أنه من واجب الدول الأورو-متوسطية تعميق الأولويات المحددة في نشأة الاتحاد وتعزيز اعتماد أدوات ناجعة من شأنها أن تعطي طموحا متجددا لمشاريعنا المشتركة.

بالإضافة إلى ذلك، أود أن أؤكد على ضرورة إبراز الإمكانات المتجددة والتكاملية الذكية مع باقي المسارات الأخرى(الاتحاد المغاربي، سياسة الجوار الأوروبية، وحوار 5 +5، الاتحاد من أجل المتوسط​​؛ ARLEM؛ مؤسسة آنا ليند الأورو-متوسطية برامج اورو ميد …. جهود التضافر هذه، هي رمز  للحكامة الجيدة، التي هي بطبيعتها لتعزيز تحقيق ملموس للمبادرات الإقليمية، مثل تلك  الجارية أو التي ستجرى في إطار الاتحاد المغاربي، الفضاء الاستراتيجي الرئيسي خاصة لمستقبل الفضاء المتوسطي.

كذلك، فإن تطور الاتحاد المغاربي، من خلال دوره الموحد والموجه في ذات الوقت ، سيكون مصدر دينامية بين ضفتي المتوسط ، وسيكون له تأثير كبير على الرخاء والأمن في المنطقة الأورو- متوسطية.

إن المملكة المغربية مستعدة وملتزمة ببذل كل الجهود لتشجيع انبثاق نظام مغاربي جديد، قوي اقتصاديا، متضامن سياسيا، وقادر على مواجهة التحديات الأمنية التي تساءل  حدوده.

السيدات والسادة،

هذا المشهد الأورو- متوسطي لن يصبح حقيقة واقعية دون تعزيز روح الانتماء المشترك من قبل المواطنين المتوسطيين، ودون انخراطهم الكامل في هذا الطموح المشترك.

من اجل ذلك، فإنه يتعين علينا تحديد تحديا أساسيا، ألا وهو خلق « الشعور  بالانتماء للفضاء الأورو- متوسطي » في نفس كل واحد من المواطنين. وفي هذا السياق، أعتقد أن وسائل الإعلام الأورو- متوسطية لديها مكانة لخلق وتوليد هذا الشعور، وتعزيز اليقين الذي ينبغي أن يدفع كل واحد منا ليساهم في تبيان أهمية واستراتيجية الاتحاد من أجل المتوسط.

أعتبر أنه من البديهي، أن وسائل الإعلام بات لها دورا واسعا وهاما في الحياة الاجتماعية والسياسية لبلدان البحر الأبيض المتوسط​​، وأن هذا الدور أصبح حاسما في المجتمعات التي هي في تطور التحولات.  ليست هناك حاجة إلى التذكير أن مهامكم  هي في قلب كل عملية  تحول سياسي واجتماعي،  وأنها تشكل موجها أساسيا لتعبئة وتسهيل وشرح وتبرير الرهانات والطموحات التي  نتشاركها في البحر الأبيض المتوسط​​.

أنتم، بهذا المعنى، فاعلون حقيقيون  في مجال التنمية الحقيقية لبلدانكم والمحددون الحقيقيون لتصور الهوية الثقافية الأورو- متوسطية.  دورك بات مضاعفا، لأنكم  في ذات الوقت حماة لحرية التعبير، و الضامنون  للشفافية في مجتمع ديمقراطي.

إدراكا لهذه  الأهمية، وضرورة  تمكين  وسائل الإعلام من مكانتها في المشروع المجتمعي الحداثي الذي أراده  جلالة الملك محمد السادس وبادر به، عملت السلطات المغربية على تنفيذ مجموع الشروط لانبثاق  مشهد إعلامي دينامي وتعددي، يطمح إلى أن يصبح حجر الزاوية في عملية تعزيز الديمقراطية.

في هذا الصدد، عملت المملكة بنشاط لتكريس دور وسائل الإعلام، تعزيزا للديمقراطية وحقوق الإنسان وحريات تعبير المواطنين المغاربة، لأنه هو أولا وقبل كل شيء واجب والتزام يمليه الدستور الجديد للأمة.

اسمحوا لي، أن أعدد بعض الأعمال التي ساهمت في تكريس الدور الأساسي لوسائل الإعلام في الحياة الديمقراطية بالمغرب، مثل إصلاح القطب العمومي السمعي –البصري وهو الورش الذي  بدأ قبل 10 سنوات من هذا التاريخ.  وقد سمح لنا هذا الإصلاح الطموح برفع احتكار الدولة للبث، وإنشاء هيئة  تنظيمية، والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وإصدار قانون السمعي البصري رقم  77-03، وأخيرا تغيير  النظام الأساسي للإذاعة و التلفزة المغربية التي تحولت إلى شركة خاصة.

مختلف هذه التحولات جاءت لتعزيز استقلالية وسائل الإعلام العمومي في الحياة السياسية، وضمان مصداقيتها، ودورها في خدمة المواطنين. من الواضح  أن التحديات لا تزال أمامنا قائمة، بما في ذلك مسألة صيغ استدامة التمويل، والحفاظ على معدل السمع، الذي يصنف اليوم وسائل الإعلام المغربية وفي مقدمة دول المنطقة، متى أضفنا الدول الأوروبية.

هذا التطور يجب أن يأخذ بعين الاعتبار، الأشكال الجديدة للاستهلاك التي توفرها التكنولوجيات الجديدة للمعلومة، ونحن معبؤون للتعامل مع هذا التطور، سواء التكنولوجي أو الثقافي، اعتمادا على  الإبداع، والابتكار والتنوع والانفتاح.

السيدات والسادة،

آمل من خلال هذا العرض الموجز، أن أكون قد توفقت في  إبراز  طموح بلد ذي رؤية إستراتيجية، قادرة على الاستجابة بشكل حاسم ومحدد للعديد من التحديات إن على الصعيد الوطني أو الإقليمي.

إن المملكة المغربية على أتم الاستعداد لتقاسم هذه التجربة مع جميع شركائها المتوسطيين لدعمهم في تحولاتهم السياسية الراهنة، والعمل بالتالي على انبثاق فضاء متوسطي نموذجي​، قادر على التفاعل مع التحولات العميقة في عالم العولمة.

média

 

attachment-1 photo-2b conference-youssef-amrani b-20 img_0051 milan-oct-2015 2016-02-12 - Youssef Amrani, Minister in Charge of Mission at the Royal Cabinet of Morocco gesticulates on the conference "The Challenges for Security Services in of Imported Terrorism in Europe" from the Middle East Peace Forum on the Munich Security Conference in Munich, Germany. Photo: MSC/dedimag/Sebastian Widmann upm 23023365664_05464c6a50_o